عبد الرحمن الأنصاري الدباغ
45
مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب ( ويليه سر الأسرار في كشف الأنوار للغزالي )
مجرّدا عن علائقه وأوضاعه ونقلته إليها ، فذلك هو الجمال المجرّد الزائد على الجسمية ، وهو الذي يسبي العقول وتتفتّق به الأرواح ، لكنه لا يدرك إلا مع صورة الجسم التي هي في غاية الكمال ، فإن وجد فيها هذا الكمال وجد الجمال معه ، وإن عدم عدم . فالكمال مظهر له ومستدع لوجوده . ولذلك كانت النفس تحبّ الكمال ، لأن الجمال لا يوجد إلا مقارنا له ، كما أن وجود الصورة يكون مقارنا لصفاء المرآة . ونزيدك في ذلك بيانا فنقول : إنّا إذا شاهدنا مثلا وجها حسنا قد تجمّعت فيه صفات الكمال اللائقة به أدركنا بقوة أخرى فينا غير حاسّة البصر ذات الجمال التي كان الوجه مطلعها إلا أنّا لا نقدر أن نعبّر عن حقيقة ذلك الجمال المجرّد نطقا لدقّة معناه ولا سيما في حين استغراقنا في مشاهدته لذهول النفس عن تحرير العبارة عن ذلك ، فقد تضيق العبارة عن وصف كيفية لذّة محسوسة إذا قصدنا تفهيمها لمن ليست له حاسّة إدراكها ، فلو سألنا شخص لم يخلق فيه حسّ الذوق قطّ عن طعم الحلاوة واللذّة بها لم يمكنّا أن نفهّمه تلك اللذّة أصلا ولا أن نعبّر له عن كيفية حقيقتها عبارة توصله إلى علم ما جهل منها ، وكذلك العنّين إذا سأل عن حقيقة لذة الوقاع لم يمكن أيضا أن نوصل حقيقة تلك اللذّة إلى نفسه حتى يجدها كما يجدها غيره ممن ليس بعنّين ، وكذلك سائر لذّات الحواسّ وآلامها ، لأن العلم بالأشياء إنما يحصل لنا أوّلا من طريق الحواسّ ، فمن فقدها لم يتوصّل إلى علم أصلا ، إذ ليس للنفوس أوّلا طريق إلى اقتناص العلوم من خارج غيرها . فإذا عجز الإنسان عن أن يفهّم لذّة حاسّة لمن لم تكن له تلك الحاسّة فكيف يمكن أن يفهّم لذة المعقول من الجمال لمن لم يدرك ذلك من نفسه مع كونه لا يدرك إلا بحاسّة الحواسّ وهي النفس . ولهذا لمّا دقّ معنى جمال العيون النّجل « 1 » عند من أراد أن يعبّر عنه سمّاه مرّة سحرا ومرّة سهما ومرّة سيفا لدقّة معنى السحر ونفوذه في النفوس والأجسام ودقّة معنى السكر الحادث عن الخمر وتخلّله أجزاء الروح وقوى البدن الحسّاسة وحصول الموت بالنظر كما يحصل
--> ( 1 ) نجل : النّجل النّسل والمنجل ما يحصد به والنّجل بفتحتين سعة شقّ العين والرجل أنجل والعين نجلاء والجمع نجل والإنجيل كتاب عيسى عليه السلام يذكّر ويؤنّث فمن أنّث أراد الصحيفة ومن ذكّر أراد الكتاب ( مختار الصحاح ) .